الفردة اليمين في المخزن

/

الفردة اليمين في المخزن
** عندما كنا نلبس مما نصنع، كان عمنا جبارة يبيع أحذية (الشدًة وتموت تخلي)..إحداها مصنوعة من البلاستيك وكانت مكملة للزي المدرسي، والأخرى مصنوعة من مخلفات الإطارات القديمة ومكملة لزي الرعي والزراعة بتحملها لوعثاء المزارع و(ضريستها)..ورغم أن سوق أرقو كان آمناً وخالياً من السرقة، كان عمنا جبارة يعقل بضاعته بشكل مدهش، ثم يتوكل..كان يرص الأحذية على (تربيزة حديد)، أمام دكان عم حسين، وكان للدكان مخزناً خارج السوق.. نأتي إلى عم جبارة، ونختار ( الشدًة المناسبة)، ونلبسها في القدم اليمنى، ثم نسأله ( وين الفردة الشمال؟)، فيرشدنا الى حيث (الفردة الشمال)، قائلاً : ( امشي شيلها من مخزن حسين)..وكان يبرر توزيع (جوز الحذاء)، مابين تربيزته ومخزن عم حسين، بتبرير مفاده ( هنا الجوز بيسرق، لكن الفردة العايزها منو؟)..وهكذا، حتى تعودنا على (نهج بيع عم جبارة)، إذ نختار من تربيزته (فردة الحذاء الشمال)، ونلبسها، ثم نقصد مخزن عم حسين ونبعثر جولات الأحذية بالساعات حتى نجد (الفردة اليمين)، وقد لانجدها ونصرف النظر عن الشراء عندما يرهقنا البحث ..!!

** وهكذا يفعل نهج الدكتور مصطفى اسماعيل – والوفد المرافق له بالخليج – منذ أسبوع ونيف.. يومياً، تتحفنا سونا والصحف بأخبار من شاكلة : ( الراجحي ح يزرع مائة الف فدان بنهر النيل، هريدي ح يزرع مليون فدان بالشمالية، سليمان ح يزرع خمسمائة الف فدان بكردفان، سنهوري ح يزرع ربع مليون فدان بالنيل الأبيض، ومش عارف ح يزرع كم مليون فدان بالسودان)..فالأفدنة التي يوزعها مصطفى اسماعيل – والوفد المرافق له – بالرياض بحاجة إلى إحصاء ثم مقارنة نتيجة الإحصاء بحجم مساحة ما تبقى من السودان بعد إنفصال الجنوب وإحتلال حلايب..مثل هذا الإحصاء مطلوب، حتى لايتفاجأ مصطفى ووفد الولاة المرافق له بأنهم – في خضم الحماس – وزعوا ( أرض الجنوب أيضاً)، وربما ( جزء من افريقيا الوسطى).. !!

** فالذي نعرفه، ما لم يكن قد صار (موضة قديمة)، هو أن الأنظمة لاتطرح المشاريع الزراعية للإستثمار إلا بعد توفيق (وضع الأرض)، ثم مسحها جغرافياً ودراسة صلاحيتها علمياً..فلندع المسح الجغرافي والدراسة العلمية، هل وفقت الحكومة وضع ملايين الأفدنة التي يوزعها مصطفى يومياً – شرقاً وغرباً – عبر وكالة سوناً؟..المعنى بتوفيق وضع الأرض هو تأكيد ملكيتها للحكومة وتأكيد خلوها من نزاع سكانها..قانون الأرض في السودان ( أطرش)، ويتناقض مع قانون الإستثمار..وللمستثمرين تجارب مريرة مع الأهالي بدريم لاند ونهر النيل والنيل الأبيض والشمالية وسنار وغيرها..ولاتزال المحاكم تنظر في بعض القضايا، بل بعض المستثمرين تركوا ( الجمل بما حمل)، وغادروا البلاد بعد صراع عنيف مع (الأهالي والمحاكم)..ومشاريع بنهر النيل تشهد ذلك، وكذلك مشاريع بالشمالية ونهر النيل والجزيرة.. ولاننسى تشهير تيتاوي وصلاح عووضة – إنابة عن أهلهما – بأرض منطقة غرب القولد حين فكرت الحكومة في إستثمارها برؤوس أموال أجنبية، علما لاتيتاوي – ولا ود عووضة – يتملك شهادة بحث ملكية أرض منطقة غرب القولد المراد إستثمارها، ولكنها الثقافة السودانية التي تمتلك كل أرض الولاية، ملكية كانت تلك الأرض أو حيازة أو ( ميرية)..وما يحدث بدار المسيرية أيضاً نموذج، إذ لايتم حفر بئر النفط ما لم يتم التفاوض مع الأهل حول قيمة الأرض.. وهكذا كل الأرض عند كل أهل السودان، لأن قانون الأرض ( أطرش)..فالنهج الحاكم ليس بعاجز عن حماية الأرض فحسب، بل عاجز عن ( إدارتها أيضاً) ..!!

** وعليه، تخصيص قطعة أرض سودانية للمستثمر الأجنبي ليس باليسر الذي يوزع به مصطفى و الولاة..فالأهل يتطاحون لحد إراقة الدماء حول ( ملكية جبل)، أوكما حدث بدافور في سبيل الذهب ..وإن كان ذاك صراعاً دمويا حول جبل، فكيف يكون الحدث حول الأرض ؟.. يا عالم، لاتخدعوا الناس والمستثمرين بالخطب الجوفاء، توفيق وضع الأرض بقانون لايظلم أهل الأرض هو المدخل الصحيح لجذب الإستثمار..ولكن توزيعها للمستثمرين- عبر سونا و الصحف – قبل توفيق وضعها، بمثابة نهج عم جبارة الذي يبيعك (فردة شمال) ثم يرشدك : ( امشي فتش الفردة اليمين في مخزن حسين)، وقد يجدها وقد يستاء من البحث ويغادر المخزن ويصرف النظر عن الشراء..وقلتها مراراً وتكراراً، وليس هناك ما يمنع إعادتها : وسائل وعوامل جذب الإستثمار الأجنبي بالخرطوم وليس بالرياض..كافحوا فسادكم القبيح ثم اصلحوا قوانينكم الطرشاء وحسنوا نهجكم البائس، ليأتي المستثمر الأجنبي طوعاً وإختياراً ..هذا أو، فليواصل مصطفى مسلسل توزيع ( الفردة الشمال)، على أن يتحمل المستثمر الأجنبي رهق البحث عن ( الفردة اليمين ).. !!‬

إليكم – السوداني
[email]tahersati@hotmail.com[/email]

Exit mobile version