هل تعلم أنّ العام “2013”، هو عام “الخرطوم عاصمة الثقافة الأفريقية؟”

سؤالٌ واحدٌ، سألته لعددٍ من المهتمين بالشأن الثقافي، والإعلامي. بل والفاعلين في الحقل الثقافي. تلخيص السؤال هو: هل تعلم أنّ هذا العام “2013”، هو عام “الخرطوم عاصمة الثقافة الأفريقية؟”.

الإجابات تفرّقت إلى فريقين: الأول أثبت علمه بالمناسبة، لكنه ذهب إلى أنّ الواقع ليس فيه مصاديق لهذه المناسبة، منذ بداية العام، وحتى يوليو الجاري. إذْ لم يشهد حِراكاً وأنشطةً ثقافية وفنية، ولمْ يسمع بها.

أما الفريق الثاني، فنفى علمه جملةً أنْ يكون قد سمع باختيار الخرطوم، عاصمةً للثقافة الأفريقية، للعام 2013م. قائلاً: “يطرشني”.

نوفمبر من العام الماضي “2012”، شهد اختيار الخرطوم؛ لتكون أول عاصمةٍ للثقافة الأفريقية، حسبما خلص إلى ذلك مؤتمر وزراء الثقافة الأفارقة، الذي اختتم أعماله في العاصمة الكنغولية “كنشاسا”. بمشاركةٍ من “28” دولةٍ.

وحضور منظمتي الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة.

حيث نقل موقع “شبكة الشروق” وقتها، تصريح وزير الدولة للثقافة مصطفى تيراب، الذي أشار إلى أنّ مؤتمر وزراء الثقافة الأفارقة اختار الخُرطوم، لتكون عاصمةً للثقافة الأفريقية للعام المقبل “2013”، مع موافقة المؤتمر على مقترحاتٍ تقدَّمت بها الخرطوم، تمثّلتْ في إنشاء قرى للتراث الأفريقي في كلِّ دولةٍ، يُعرض فيها التحف والمصنوعات اليدوية. بجانب تخصيص أماكن للغناء. انتهى.

وشائج أفريقية متينة
هذا الرفض، الذي تُمارسه الخُرطوم الرسمية، والثقافية؛ لنصفها الأفريقي، المشكّل لهُويتها. ليس على مستوى رفض الخُرطوم الرسمية لنصف وجهها الأفريقي فحسب، لكنه أيضاً رفضٌ لامتدادات السودان “الجغرافيا” في محيطه الأفريقي.

وتهافتها بالمقابل، “تُقرأ هرولتها لمنْ أراد”، على الأمصار العربية. هذا يُمارس رغماً عن الروابط القوية، والوشائج الوثيقة التي تربط السودان بهذا الامتداد الأفريقي.

هذه الروابط والوشائج تقول بها حقائق التاريخ والجغرافيا، ويرويها بأكاديميةٍ، باحثٌ في قامة د. جعفر ميرغني، الذي أثبتْ أنّ هجرات السودانيين منذ القدم، كانت تتم شرقاً وغرباً، أكثر من كونها شمالاً وجنوباً، وهو ما يُفسّر الامتدادات الثقافية والإثنية المشتركة والمتداخلة بين كل من السودان، أرتيريا، أثيوبيا وتشاد.

فلِمَ يُضيّع السودان مساحةً للتمدد الثقافي/ السياسي/ الاقتصادي، ويُهرول نحو العربية كُليةً، على الرغم من أنّه يصلح في حالة السودان، أنْ يلعب في ميدانَيْنِ، وبامتياز، “العربية” و”الأفريقية”.

أسئلةٌ محرجة
عليه، لا بد من إيراد جملةٍ من الأسئلة، لا تخلو من حرجٍ، وهي: هل تستحقُ الخُرطوم، بهذه الرؤية الرسمية، أنْ تُصبح عاصمةً للثقافة الأفريقية؟ وإنْ كانت الإجابةُ بـ”نعم”، هل هي مؤهلةٌ فنياً لاستضافة هذا الحراك الثقافي الأفريقي؟

ومالذي يعرفه السودانيون عن ثقافة أقرب جيرانهم الأفارقة؟ مثلاً: مالذي يعرفه السودانيون عن ثقافة الأرتيريين والأثيوبيين، أكثر من الرقص المحموم، والأغنيات المحمولة عبر حوامل الكاسيت، والإم بي ثري؟

أعني بشكلٍ أدقْ: مالذي يعرفه السودانيون عن حضارات مملكة أكسوم في أثيوبيا؟ وعن مصوَّع بلد الإسلام في أفريقيا؟ ومالذي يعرفه الكُتّاب والمفكرون عن حالتي الكتابة والتفكير في كينيا ويوغندا مثلاً؟ وهل ينجحُ أيٌّ من مثقفينا أنْ يُعدّد على أصابعه عشرة من مثقفي كل بلدٍ في “أثيوبيا” و”كينيا” و”تشاد” مثلاً؟

ومالذي كانت ستُقدّمه الخُرطوم عاصمة الثقافة الأفريقية لتُعبّر عن أفريقيتها أكثر من الرقصات الشعبية المحفوظة؟ وإلى أي مدى يتسقُ إهمال الأفريقية وما ظلّتْ تُردده قياداتٌ رسمية وإعلاميةٌ بالدولة، بشأن الخُلوص العربي الإسلامي للسودان بعد انزياح هم الجنوب الأفريقي بالانفصال؟

اللاجدوى من الاهتمام بالثقافة، وعدم إفراد حيزٍ رسمي وشعبي للاهتمام بها، وبنقاط اللُقيا في ثقافات الآخرين؛ هو قناعةٌ لدى الكثير من التنفيذيين، صرّحوا بها جهرةً، وقالت بها أعمالهم.

وفات على قناعتهم “الممحوقة” أنّ علاقات الدول ودبلوماسيتها، تتكئُ كثيراً على الثقافة، وليس على الاقتصاد والمواقف السياسية وحدها.

فقد خسرتْ مصر الرسميةُ كثيراً، حين أهملتْ علاقتها بجوارها الأفريقي، وظهرتْ نتيجةُ الإهمال بشكلٍ جلي، في أزمة بناء “سد النهضة” الأثيوبي، مايو الماضي.

فلم يجد الإعلام المصري ما يُشير إلى علاقةٍ تربطُ مصر بأثيوبيا ويوغندا، إلا عند محطة جمال عبدالناصر، ستينيات القرن الماضي!!

هبْ لو أنّ علاقة مصر بدول المنبع جيدة، هل كانت ستخسر، وتتعرى مواقفها، ويتعالى عويلها من سد النهضة بهذه الفجاجة؟

أتوقّع في حالة إهمالنا لعُمقنا الأفريقي، أنْ تتقيّح أزماتنا أكثر.

فرصٌ مُضاعةٌ
هل تفقدُ الخُرطوم فرصةً ثمينةً، وهي تُهملُ الاهتمام بنصفها الأفريقي؟ الإجابةُ، وبشكلٍ سريعٍ، يُمكن أنْ تكون “نعم”.

لكن، وبهدوء دعونا نناقش قبل السؤال، قبل الإجابة عنه سريعاً. فعديدُ الاحتفالات، والكرنفالات الفنية والثقافية، التي تُقام دورياً، أو موسمياً في السودان، لم تكن تولي أمر ما يربطها بأفريقيا، إلا قليلاً.

ولنأخذ على ذلك مثالاً: فمناسبةٌ دوليةٌ مثل معرض الخرطوم الدولي للكتاب، تُقيمه الخُرطوم الرسمية بشكلٍ راتبٍ، يكادُ يخلو من عناوين لكُتّاب أفارقةٍ، دع عنك جناحاً لدولةٍ أفريقيةٍ، ودع عنك أيضاً، إفرادُ منشطٍ يدور حول الثقافة الإفريقيةِ.

يُخطئ العديدون، وهم ينظرون إلى سطح القضية، دون الولوج والتمعُّن في عمقها، فالدبلوماسية، والعلاقات السياسية والاقتصادية مثلاً، تُشكّلُ العلائق الثقافية والفنية ممهداً، ومحضناً كافياً لنموّها ورعايتها.

وعليه، من الممكن أنْ تُشكّل الخرطوم عاصمة الثقافة الأفريقية فرصةً لمناقشة الكثير من القضايا العالقة بين الخرطوم الرسمية، وبين العواصم الأفريقية الرسمية الأخرى.

وما أحوج الخرطوم الرسمية -بالتحديد- إلى وجود علائق أفريقيةٍ مريحةٍ، تستعينُ بها على قضاياها المطروحة للتفاوض الآن على طاولاتٍ أفريقيةٍ.

شرُّ البلية
من طرائف وساخر الحديث عن الخرطوم، عاصمة الثقافة الأفريقية، ليس جهل المهتمين بأمرها، دع عنك العامة، ولكن حتى قيادات العمل الثقافي في السودان.

فقد نفتْ الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الآداب والفنون الأستاذة فاطمة بليّة، في إفادةٍ لها لـوسائل إعلامية، أنْ يكون لمجلسها علمٌ باختيار الخرطوم عاصمةً للثقافة الأفريقية. لكنّها في ذات الوقت أبدتْ استعدادها للمناسبة، متى طُلب منها ذلك.

أنْ يتم اختيار الخُرطوم عاصمةً للثقافة الأفريقيةِ أمرٌ ليس بالهيّن، ويجب الاستفادةُ منه على سُبلٍ كثيرة، سياسياً، دبلوماسياً، اقتصادياً… ألخ.

الآن: هل يجوز لي أنْ أجيب على سؤال فقدان السودان فرصةً ثمينةً بإهمالها الاهتمام بالخُرطوم عاصمة الثقافة الأفريقية لهذا العام بـ”نعم”؟ نعم، سأُجيبُ على السؤال بـ “نعم”.

بقلم: موسى حامد
صحفى وكاتب
شبكة الشروق

Exit mobile version