رأي ومقالات

الجانديقة

مرت علينا قبل ايام آخر جمعة في رمضان و هي التي تسمي ( الجمعة اليتيمة )
كان اهلنا في السودان يحتفون بهذه الجمعة و يعدون فيها طعاما خاصا يسمونه ب (طعام الموتي ) و تحرص عليه الاسر التي يتوفي احد افرادها ذاك العام و يوزعون هذا الطعام علي الفقراء و المساكين و الأطفال و تلاميذ الخلاوي .

يسمي هذا الطعام الدال علي طلب الرحمة للموتي ب ( الرحمتات ) و تعني ان ( الرحمة ) قد ( اتت )
يتكون طعام الرحمتات من اللحم و اللقيمات و الفطائر و التمر .
للاطفال إحتفاء خاص بهذا اليوم المبهج لهم و من العادات ان يطوف عدد منهم بالبيوت و هم يحثون النساء علي اعداده و يطبخ في كنتوش و يوزع فيها ايضا و يقال للجمع منها ( كناتيش ) و يصنع من الفخار و يسمونه بطعام ( الحارة ) و ينشدون لهن .
( الحارة ما مرقت .
ست الدوكة ما وقعت .
قشاية قشاية .
ست الدوكة نساية .
ست الدوكة عفريتة .
كبريتة كبريتة .
ست الدوكة عفريتة .
ليمونة ليمونة .
ست الدوكة مجنونة )
و ست الدوكة هي من تقوم علي النار التي يطهي عليها هذا الطعام الخاص .
ثم يجوب الاطفال الحي يجمعون ما يجود به من اعد الرحمتات .

اكبر مستفيد من هذا اليوم و ما يقدم فيه هم طلاب الخلاوي إذ يطوفون و هم يحملون ( خرتاية ) و هي تقوم مقام الحقيبة و تصنع من القماش .
يجمع طلاب الخلاوي كل هذا الطعام المتنوع بعضه علي بعض و يحملونه نهاية طوافهم إلي الخلوي حيث يقومون بنزع العظام عن اللحم و النوي عن التمر و يرمونه في الخرتاية جميعه مع بعضه البعض .
يصنعون من هذا الخليط كتلة واحدة و يقسمونها إلي قطع صغيرة في شكل كرات ثم يضعونه في سقف الخلوة و تصبح كتلة قوية تصمد لايام طوال .
يسمون الواحدة من هذا الخليط من الطعام
ال ( جانديقة ) و عند الحاجة لها تؤخذ الكمية المطلوبة للوجبة من الخليط و توضع علي النار في حلة و يضاف لها بعض الماء و تصير وجبة متنوعة مغذية و مساعدة في سد الجوع لساعات الدراسة .
الفكي هو من يشرف علي أعداد الجانديقة و تحديد الكمية المطلوبة
و تشكل وجبة مشبعة و مغذية و معينة علي الحفظ و ساعات الدرس الطويلة .

الرحمتات و الجانديقة من الاعمال الشعبية العريقة المنتشرة في السودان و تعكس مدي إهتمام المجتمع بالاطفال و بالخلاوي و طلابها .

كادت الخلاوي و تقاليدها العريقة و تقاليد المجتمع في دعمها و مساعدتها و الإحتفاء بها ان تندثر .

للحرب فوائد و من فوائدها انها احيت تقليد الخلاوي حيث نشات في بعض المناطق التي امها النازحون من ديارهم و كانت عونا لهم في مواصلة تعليم الأطفال بما تيسر مع العجز عن مقابلة تكاليف إنشاء مدارس مؤقتة لهم .

الخلاوي منتج إجتماعي سوداني رفيع و نواصل بإذن الله في حلقة قادمة التعريف بالخلاوي و نظم التعليم فيها خاصة و انها تشكل نظاما تعليميا خسر السودان بتراجعه و يمكن ان يطور و يسهم في ترقية التعليم و النهضة التي نحتاجها بعد وقف الحرب .

راشد عبد الرحيم