المنشور صادم وفاجع للغاية، حيث جاء نصه “أنا سيدة عمري (40) عاماً جئتكم أُريد بيع كليتي، والله والله أنا جادة!”
السيدة التي عرضت كليتها للبيع كشفت في ذات المنشور قضيتها الأساسية التي دفعتها للخطوة بقولها “أنا زولة أرملة وعندي أربع بنات وخلاص الدنيا ضاقت بي، والله ياريت أي زول بيعرف ليهو زول عنده احتياج يُكلِمُه، وربنا يفرج همومكم ودعواتكم، ودا رقمي للناس الجادين، والله على ما أقول شهيد”.
هكذا، وبوضوح تام عرضت الأرملة (م) بضاعتها على موقع يضم نحو مائتي ألف عضو على (فيس بوك)، وتركت هاتفها الجوال وانتظرت أول المشترين.
الخوض في بحر التخمينات
الحقيقة، خلال دقائق معدودة علق عشرات المتداخلين على منشور (م)، أكثرهم وصمها بالكذب، وبكل بساطة جردوا منشورها الذي ينضح أسىً من مصداقيته وحولوه لمادة ساخرة، مستدلين بأمثلة عديدة لمنشورات مشابهة أستدر أصحابها عطف الطيبين داخل وخارج السودان، والبعض الآخر علق بحذر منهم من علق بقوله “لو صادقة الله يفرجها عليك، ولو كذابة الله يسامحك”. بجانب هؤلاء هناك من علق بحزن بالغ، بينما اكتفى قلة بعمل لايك، وقطعا، اللايك الذي يعني الإعجاب بالمنشور يعد فعلاً في غير محله، لكن بالطبع ليس لأحد الحجر على وجهة نظر غيره على مواقع التواصل الاجتماعي. بالإضافة للايكات القليلة، كانت التعليقات تتضاعف على رأس كل دقيقة، مما دفع بعض المُشتركين في الموقع لقطع الشك باليقين فأجروا اتصالات هاتفية بصاحبة البوست، التي لم تكتف بالرد على اتصالاتهم فحسب، بل أضافت مزيداً من التفاصيل الدقيقة لقصتها الحزينة التي تضعها (اليوم التالي) بين يدي من ولاة الأمر والخيرين في كل مكان عسى أن يقضوا لهذه الأرملة حاجتها.
قصة العجز
بدأت (م) متماسكة وهي تحكي قصتها لـ (اليوم التالي)، حيث قالت، إن زوجها توفي في العام 2016م بعد معاناة طويلة مع المرض، استمرت لنحو ثلاث سنوات، أنفقت خلالها كل مدخراتها على علاجه، وأضافت (م) بعد وفاة زوجها وجدت نفسها مع بناتها دون عائل أو مصدر دخل، فلجأت إلى ممارسة أعمال صغيرة كانت بالكاد تكفيها لتوفير قوت يومها، وفقاً لوصفها، إلا أنها أصيبت بعدد من الأمراض، فصارت لا تقوى على الحركة، فتوقفت عن الأعمال التي كانت تزاولها، واختارت عمل وبيع الطعمية، لكن عملها الجديد أصبح لا يسد حاجتها بناتها الأربع، ويوفر لها العلاج، ففقدت رأس مالها القليل بين مصاريف البيت والعلاج، وعادت مجدداً بلا مصدر دخل.
تفاصيل تُدمي!
هذه مضغة من قصة (م) التي لو حاولنا سرد تفاصيل الدقيقة لاحتاج الأمر لمجلدات، لكن رأينا أن نجتزئ منها القليل جداً ونضيف عليه وصفاً دقيقاً للمنزل الذي تقطنه (م) مع بناتها.
تقطن (م) في جزء من منزل زوجها الذي صار ورثة لعدد من بنات المرحوم من زوجته الأولى حسب إفادة (م) لـ (اليوم التالي)، وفي الجزء المخصص لها لديها غرفة صغيرة بها سرير دبل عليه مرتب وملاية ومخدة وحيدة وثلاجة موصلة بالكهرباء، ولكنها فارغة تماماً، ولا توجد بها حتى مياه شرب.
وفي الجانب الآخر من المساحة توجد عريشة صغيرة يوجد بها سريران وكرسي ومنضدة عليها جهاز تلفزيون عتيق.
لا يوجد أثر
عقب إكمالي لعملية التفتيش الدقيقة للمنزل لم أعثر على أوان للأكل والشراب، ولم أعثر أيضاً على أنبوبة غاز ولا كانون فحم، ولا أي أثر لشيء يدل على أن هناك أسرة تقيم في البيت، وحين أبديت تلك الملاحظة لـ (م)، ردت بقولها: “يمر شهر أو أكثر ونحن لا نشعل نار في بيتنا هذا، أنا وبناتي نقتسم ما نجده من طعام أو شراب، ولكن لا نطهو هنا بأيدينا أو نعد قهوة أو شاي”. وأردفت “في بعض الأحيان تقدم بعض جاراتنا لنا من بيوتهن طعاماً نأكله، وفي مرات أخرى حين نحصل على مبلغ مالي نقوم بشراء شيء يسد رمقنا، ولو لم يحدث هذا أو ذاك نقضي أياماً نتضور جوعاً، باختصار هذه هي حياتنا في البيت ولذا لم يكن أمامي بد سوى عرض كليتي للبيع”.
اليوم التالي.