عندما كان انفصال جنوب السودان قاب قوسين أو أدنى في خواتيم شهر يونيو ٢٠١١م وجوبا تستعد للاحتفال بيوم فراقها للوطن الأم ، كانت هنا بعض الأصوات التي غلبتها مشاعر الأسى والحزن ، تتصور أن يوم الانفصال سيكون هو يوم بالنسبة للسودان والسودانيين ، وربما كان الشعور لهول الصدمة المقبلة هو المسيطر على البعض من هؤلاء،
وكانت الألسن والأنفس الوجلة تتحدث عن فقدانها لربع التراب الوطني يومها وفقدان عائدات البترول الذي كان يتصدر صادراتنا وجله من الحقول الواقعة في جنوب السودان ، لكن الانفصال تم ومر يومه سريعاً فلم تقم القيامة ولا الأرض مادت تحت أقدامنا ولا انشقت ولا انكسفت الشمس ولا خسف القمر .
> تمر هذه الذكرى في سنتها السادسة ، وهي مدعاة لإعادة النظر الى أحوال دولة الجنوب ، فقد هللت الحركة الشعبية المسيطرة على الوضع في الجنوب بأنها ستصنع منه بدعم حلفائها جنة الله في أرضه ، وستعوض الشعب الجنوبي كل ما حاق به من أغسطس ١٩٥٥ عندما اندلع حريق الحرب الأهلية لأول مرة بتمرد توريت ، ولم تتوقف الحرب إلا في فترات قليلة في عهد جعفر نميري بعد اتفاقية أديس أبابا ١٩٧٢ . لكن ما حدث كما نعلم جميعاً هو العكس تماماً ، لم يكن أكثر غلاة المتشددين من داعمي انفصال جنوب السودان عن شماله ، يتصور المصير المفجع لدولة الجنوب بعد ولادتها ، سرعان ما غرقت الدولة أولاً في فساد وحالة من الضياع وغياب الرؤية وقلة الخبرة بإدارة الدولة ، وانتهت بحرب أهلية طاحنة قسمت الجنوب أفقياً ورأسياً، وأطاحت بكل أمل في العيش وكل أحلام داعبت خيالات الشعب الجنوبي .
> لم تستفد الدولة التي ورثت مشروعية بترولية تدر عليها عائدات ضخمة ، إذ كان إنتاجها يتجاوز الـ ٣٠٠ الف برميل يومياً في حقول الوحدة وفلج وعدارييل ، وهي بذلك تعد من أغني دول وسط وشرق إفريقيا لو استثمرت مواردها ووجهتها نحو التنمية وصناعة دولة جديدة من رمام ورماد الحرب الطويلة .
> لكن أطماع وخلافات قيادات الحركة الشعبية كحزب حاكم، وتسديد الفواتير الواجبة واللازمة السداد لقوى دولية وإقليمية ، وحالة التيه السياسي، جعلت الحركة تسقط سريعاً الى القاع وينهار تماسكها الداخلي فابتدأت قياداتها الاتهامات وفصل البعض وزج بكثير منهم في السجون ، ثم جاءت الطامة الكبرى باندلاع الحرب بين الرئيس ونائبه الأول وتحول الصراع الى حرب قبلية بين أكبر قبيلتين في دولة الجنوب ولكل حلفاءه من القبائل الأخرى، فانفرط عقد الأمن وانهار التماسك الاجتماعي وانفتح الباب أمام التدخل الخارجي الذي وصل حد التدخل العسكري عندما دفعت يوغندا بجيشها وانغمست في قتال مجموعة رياك مشار المعارض الجنوبي الأبرز لجوبا ، وفر من الحرب الطاحنة المشتعلة حتى اليوم ما يقترب المليون ونصف جنوبي احتضنهم السودان وبعض منهم الى كينيا ويوغندا وإثيوبيا ، وانهارت الدولة تماماً وتوقف ضخ بترولها ، وفرضت عليها إجراءات من الأمم المتحدة وتمت معاقبة بعض المسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية التي وقفت عاجزة مع بقية الدول الغربية في إنقاذ الدولة حديثة الولادة وهي تعاني خطر الوفاة الحتمية بعد أن اخفقت كل المحاولات لصناعة وجلب السلام اليها .
> وبالرغم من أن دولة الجنوب جعلت من أراضيها ملاذاً لكل الحركات والمجموعات المتمردة في السودان وهي حركات دارفور وقطاع الشمال بالحركة الشعبية الحاكمة في جوبا ، إلا أن السودان استطاع بعد خيبة أمله في إدراك جوبا لخطورة ما تقوم به ، أن يحافظ على أمنه واستقراره ويتصدى لكل الهجمات من هذه المجموعات المسلحة ويؤمن حدوده ، إلا أن السهام ارتدت الى النحر الجنوبي وغرقت جوبا في دماء أبنائها بتورط حركات دارفور والحركة الشعبية قطاع الشمال في الحرب الجنوبية وتقف الدولة الآن على حافة الانهيار.
> السودان بالعكس تماماً ، لم تقم فيه القيامة وامتص صدمة خروج مورد البترول وإيراداته وتوجه بسياسات واضحة لمعالجة أوضاعه الداخلية وحقق الأمن في دارفور وأدار عملية سياسية ناجحة عبر الحوار والوطني وقضى على التمرد وتحسنت علاقاته الخارجية وباتت دول الغرب المناصرة للجنوب تخطب وده وترجاه أن يتدخل لانتشال دولة الجنوب من أوحالها .
الصادق الرزيقي
صحيفة الإنتباهة