يُحكى أن الشاعر هدبة بن خشرم كان قد قتل إعرابياً، فحكموا عليه بالقصاص.. وعند التنفيذ، جاءوا به إلى ساحة القصاص مكبلاً، فعرض أهله ــ على أهل القتيل ــ دية يسيل لها اللعاب، وذلك لإنقاذ شاعرهم من حبل القصاص .. فرفضوا العرض بالإجماع، إلا أن أحد أبناء القتيل حدثته نفسه بقبول الدية الضخمة ..
وكاد يوافق بالدية مقابل العفو، ولكن صاحت فيه أمه: (أُقسم بالله لئن قبلت بالدية لأتزوجنه، فيكون قد قتل أباك ونكح أُمك).. وكان ومازال، هذا أقوى رفض في تاريخ العرب ..!!
> وكثيراً ما تمنينا أن تكون مواقف السادة هنا ــ في القضايا ذات الصلة بالبلاد وشعبها ـــ مثل موقف تلك (الأم)، ولكن ــ للأسف ــ تجد أن مواقفهم ــ حتى في القضايا الوطنية والسيادية ــ مثل موقف (الابن)، ولا يبالوا بما قد يحدث من قتل ونكاح للكبرياء والعزة .. وعلى سبيل المثال الراهن، مساء الإثنين، وقبل أن يكتمل استنكار الزملاء قرار حظري عن دخول مصر، أعادت مخابرات مبارك زميلتنا بـ (السوداني) إيمان كمال الدين من مطار القاهرة إلى مطار الخرطوم بقرار الحظر والإبعاد أيضاً.. !!
> ومع ذلك لم تحدث وزارة الخارجية نفسها بمؤازرة صحافة بلادها ولو بكتابة (بيان رافض).. ولم تحدث وزارة الإعلام نفسها بمؤازرة صحافة بلادها ولو بدفع وزير من الوزيرين لتوزيع (تصريح).. ولم تحدث لجنة الإعلام بالبرلمان نفسها بمؤازرة صحافة بلادها ولو (بطق حنك ساكت).. وللأسف غير مدير إدارة الاعلام بجهاز الأمن والمخابرات الوطني ونقيب الصحافيين لم يفكر أي مسؤول أو موظف بمجلس الصحافة ووزارة الاعلام ولجنة الاعلام بالبرلمان بمؤازرة المبعدين ولو بمجرد استقبال في المطار، ربما خوفاً من أن ترصدهم المخابرات المصرية وتحظرهم.. وكأن ما يحدث لزملاء المهنة من طرد وترحيل لا يعنيهم أو يرضيهم، يستمتعون بغضب الصحف واستياء اتحاد الصحافيين ..!!
> ويبدو أن حال زملاء المهنة سيبقى على ما هو عليه ــ حظراً وترحيلاً ــ بين مطرقة مخابرات مبارك وسندان قبول أو انتظار الدية هنا.. وإن لم يغضب من نسميهم المسؤولين (جهراً)، ولم يعبروا عن غضبهم (جهراً)، ولم يرفضوا ما يحدث لإعلام بلدهم (جهراً)، فمتى يغضبون ويعبرون؟.. ربما بعد حظر وإبعاد الأستاذ راشد عبد الرحيم المستشار الإعلامي بسفارة السودان، إذ أن راشد أيضاً يؤمن بأن حلايب سودانية ويرفض وقاحة سفهاء الإعلام المصري ويدافع عن استقلالية القرار السوداني في القضايا الإقليمية والدولية، وغيره من أسباب حظر وإبعاد الصحافيين..!!
> وكما ذكرت، فإن قوائم الترهيب التي وضعتها مخابرات مبارك بمطارات مصر وموانئها (طويلة)، أي لا تشمل فقط (ساتي وإيمان)، بل تستهدف كل الأقلام التي تدافع عن هوية حلايب واستقلالية المواقف السودانية في كل القضايا.. ولذلك، قلت يجب تحويل هذه القوائم ــ بصدق الانتماء الوطني ــ بحيث تكون (أوسمة سودانية)، نفتخر بها ونتباهى.. وقلت إن مثلث حلايب هو الاختبار، ونخون ضمائرنا وأنفسنا ــ قبل بلادنا وشعبها ــ لو اتخذنا الصمت أو الحياد موقفاً في قضية حلايب وشلاتين وأبو رماد.. وقلت إن مخابرات مبارك تبذل جهداً لتحقيق حلم (تمصير المثلث)، وذلك بترهيب صحافتنا بحيث ما (تجيب سيرتها).. ومع ذلك السلطات الرسمية (لا تُبالي)..!!
> والمهم.. لن نستجدي السلطات الحكومية موقفاً جهيراً يُليق بحجم ما يحدث لسلطة البلاد الرابعة، وكذلك لن نتخلى عن بلادنا وقضايا شعبها مهما تمادت مخابرات مبارك في (الطرد والحظر)، ومهما تمادت السلطات هنا في (الصمت والمشاهدة).. ولو أن مواقف إعلامنا وشعبنا من قضية حلايب ــ واستقلال قرارنا الوطني ــ هي المدخل إلى قائمة مخابرات مبارك بمطار القاهرة (قائمة الحظر والطرد)، فإن مخابرات مبارك بحاجة إلى قائمة بطول شموخنا وحجم كرامتنا وعمق حضارتنا بحيث تستوعب (شعب السودان).. فهي لا تعلم أن كل النساء في بلادنا (إيمان كمال الدين)، وسواسية ــ مع كل الرجال ــ في صدق الانتماء لكل الأرض، بما فيها أرض حلايب وشلاتين وأبو رماد ..!!
الطاهر ساتي
الانتباهة